خليل الصفدي

175

أعيان العصر وأعوان النصر

فأقام عنه مدة ، ووعده بالمنصب ، وأعاده إلى القاهرة ، ولما قدم السلطان من الكرك أباع القاضي علاء الدين إكديشا كان عنده بمائة وعشرين درهما ، واشترى بذلك حلوى ، وتوجّه للقاء السلطان ، فلما استقر له الأمر ، قال السلطان للأمير الدوادار : « اكتب إلى محيي الدين بن فضل اللّه ، وقل له يكتب إلى أخيه القاضي شرف الدين ؛ ليطلب مني دستورا في التوجه إلى الشام ، وأنا أستحيي أن أبدأه بالخروج من مصر » ، فكتب محيي الدين إلى أخيه بذلك ، فلم يلتفت إليه ، وقال : « أنا ما أعيش بعقل يحيى » ، ولما علم السلطان بذلك ، رسم للقاضي شرف الدين بن فضل اللّه في أوائل المحرم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، بأن يكون صاحب ديوان الإنشاء بدمشق ؛ عوضا عن أخيه القاضي محيي الدين ، وتولى القاضي علاء الدين بن الأثير مكانه في كتابة السر بالديار المصرية في سابع عشر ذي الحجة يوم الثلاثاء سنة إحدى عشرة وسبعمائة . وكان القاضي شرف الدين له على السلطان خدم كثيرة ، وإنما لما خرج إلى الكرك ، جهّز معه القاضي علاء الدين بن الأثير ، وكان في تلك الأيام صغيرا بين الجماعة ، فنقم السلطان ذلك ، ونسبه إلى شرف الدين ، ووعد القاضي علاء الدين بالمنصب . ولما ولاه عظمه وقرّبه ، وكرّمه وأنعم عليه ، ونوّه بقدره ، وبلغ منه في المكانة العالية ما لم يبلغه أحد ، وكان يأمره السلطان بأشياء إلى نواب الشام ، ويقول له : « اكتب إليهم بكذا وكذا عنك » ، فيكتب إليهم بما أمره ، حتى إلى الأمير سيف الدين تنكز ، فزادت عظمته في القلوب ووجاهته ، وكان يركب بستة عشر مملوكا من الأتراك فيهم ما هو بعشرة آلاف درهم وأكثر ، وكان أخيرا يقف هؤلاء المماليك في خدمته بالديوان سماطين ، ولا يتكلم إلا بالتركي ، ومماليكه يقرّبون كلامه للناس . وكان فيه ذكاء ، وعنده نباهة ، وحسن كتابة ، فيها للنواظر نزاهة وتدبير ، يعينه على التقدم والوجاهة ، وإحسان إلي من يعرفه ، وجود على من يحضر إليه من الشام ويصرفه ، أنشأ جماعة ، وقدّمهم في الدولة ، وجعل لهم بنظره إليهم أبهة في النفوس وصولة ، واقتنى المماليك والأملاك ، وخضع له الأمراء والنواب والأملاك ، وحصل نعما أثيرة ، وأصل في الديوان كلمات كثيرة ، ودانت له الأقدار ، وصفت له أيامه من الأكدار . وعلا علاء الدين بن الأثير ، إلى أن صار من دونه الفلك الأثير ، ورقد في سعوده على الفرش الوثير ، ورأى كل من دونه قليلا وهو كثير ، وتقدّم به أولاد أخيه ، وكتبوا معه في الدّست ، فشدت بهم قواعد الملك ، وثبتت أواخيه . وأصبح ذكره في كلّ أرض * يدار به الغناء على العقار ولم تزل كواكبه في سعود ، ومراتبه في صعود ، إلى أن قلب الدهر له مجنه ، وأظهر له ما